بقلم الأستاذ علي قاسم.
لو أنّ مارداً خرج إليَّ قبل عامٍ من قمقمه، يصيح بجملته الشهيرة: “شبيك لبيك”، لما كنت لأجرؤ أن أطلب منه زيارة بلدي سورية…
حتى المارد، على الأرجح، كان ليخاف من المخابرات والمعتقلات الأسدية في وطني.
لكن فضل الله عظيم، يؤتيه من يشاء… وقد شاء الله، فرحل طاغية الشام إلى غير رجعة، وعادت سورية لأهلها وأبنائها.
حينها، تراءت لي جبلة كالأم، تضع طرحة عرسها، وتفتح ذراعيها، منتظرةً أبناءها الذين كبروا في حضن الغربة القاسي، بعيدًا عنها وعن بحرها.
عشر سنوات غرز فيها البُعد مخالبه في قلبي، وحفرت الغربة كل تفصيل في روحي وجسدي، حتى لم أعد أنا أنا، ولم تعد روحي روحي.
واليوم… أعود إلى جبلة، لتعود روحي، وألتقي بذاتي.
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدًا لأول منزل
أحلام العمر تتحقق، واليوم تطأ قدماي تراب سورية، ذاك التراب الذي ما عدت أعرفه.
في طريقي إلى جبلة، كانت الحرب قد تركت توقيعها في كل مدينة وقرية مررت بها…
في كل نسمة هواء، يحمل الغبار أنين الأبنية المهدّمة ودموع الأمهات…
في زقزقة العصافير التي ما زالت تردد صدى كلمات أولئك الذين رحلوا دفاعًا عن هذه الأرض.
عجلات السيارة لا تسير فوق إسفلت الشوارع، بل تمضي فوق شرايين قلبي المتعب، قلبٍ يتوق للقاء أمه…
أمه التي رقدت منذ عشر سنين تحت تراب جبلة، ولا أعرف لقبرها طريقًا.
يقودني قلبي داخل المقبرة، باحثًا بين القبور التي فاقت عدد بيوت الأحياء…
حتى وقفتُ أخيرًا أمام قبركِ يا أمّي، أذرف دموعًا عمرها عقدٌ من الزمن…
أسقي بها ترابكِ، ذاك التراب الذي صرتُ أتنفسه، علّي أشمّ فيه رائحتكِ التي غابت عني، وما غبتُ عنها.
أمّي… أنا هنا. أقف عند قبركِ،
هل عرفتِ صوتي المخنوق؟
هل عرفتِ خطوات أقدامي التائهة؟
هل سمعتِ ارتطام دموعي على ترابكِ؟
يا أمي، عزائي فيكِ أنني اليوم هنا… أعود كطفل بثياب المدرسة، يسكن حضن أمه التي تمسح بأناملها على شعره المتعب المنساب.
هنا… أول الدنيا ومنتهاها.
وهنا قصة لا تنتهي عن عشقٍ يتجدد مع كل موجة بحر، وتُكتب فصوله في عيون ساكنيها.
ليست قصة رومانسية تدغدغ أحلام العاشقين…
إنها الحقيقة الثابتة التي لا تتغير، ولا تفنى…
إنها حكاية أبدية عن جبلاوي أحبّ “ستّ البلاد”، وعروس المدن، وهام في عشقها حتى صارت وشمًا يسري في شرايين جسده.